أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
601
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
والثاني : أنه مشتق من الطول ، ووزنه فعلوت كرهبوت ورحموت ، وأصله طولوت ، فقلبت الواو ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها ، وكأنّ الحامل لهذا القائل بهذا القول ما روي في القصة أنه كان أطول رجل في زمانه ، إلا أنّ هذا القول مردود بأنه لو كان مشتقا من الطول لكان ينبغي أن ينصرف ، إذ ليس فيه إلا العلمية . وقد أجابوا عن هذا بأنه وإن لم يكن أعجميا ولكنه شبيه بالأعجمي ، من حيث إنه ليس في أبنية العرب ما هو على هذه الصيغة ، وهذا كما قالوا في حمدون وسراويل ويعقوب وإسحق عند من جعلهما من سحق وعقب وقد تقدم . قوله : أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ « أنّى » فيه وجهان : أحدهما : أنها بمعنى كيف ، وهذا هو الصحيح . والثاني : أنها بمعنى من أين ، أجازه أبو البقاء ، وليس المعنى عليه . ومحلّها النصب على الحال ، وسيأتي الكلام في عاملها ما هو ؟ و « يكون » فيها وجهان : أحدهما : أنها تامة ، و « الملك » فاعل بها و « له » متعلق بها ، و « علينا » متعلق بالملك ، تقول : « فلان ملك على بني فلان أمرهم » فتتعدى هذه المادة ب « على » ، ويجوز أن تتعلّق بمحذوف على أنه حال من « الملك » ، و « يكون » هي العاملة في « أنّى » ، ولا يجوز أن يعمل فيها أحد الظرفين ، أعني « له » و « علينا » لأنه عامل معنوي والعامل المعنوي لا تتقدّم عليه الحال على المشهور . والثاني : أنها ناقصة و « له » الخبر » ، و « علينا » متعلق : إمّا بما تعلّق به هذا الخبر ، أو بمحذوف على أنه حال من « الملك » كما تقدّم ، والعامل في هذه الحال « يكون » عند من يجيز في « كان » الناقصة أن تعمل في الظرف وشبهه ، وإمّا بنفس الملك كما تقدّم تقريره ، والعامل في « أنّى » ما تعلّق به الخبر أيضا ، ويجوز أن يكون « علينا » هو الخبر ، و « له » نصب على الحال ، والعامل فيه الاستقرار المتعلّق به الخبر ، كما تقدم تقريره ، أو « يكون » عند من يجيز ذلك في الناقصة . ولم أر من جوّز أن تكون « أنى » في محلّ نصب خبرا ل « يكون » بمعنى « كيف يكون الملك علينا له » ولو قيل به لم يمتنع معنى ولا صناعة . قوله : وَنَحْنُ أَحَقُّ جملة حالية ، و « بالملك » و « منه » كلاهما متعلق ب « أحقّ » . وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً هذه الجملة الفعلية عطف على الاسمية قبلها ، فهي في محلّ نصب على الحال ، ودخلت الواو على المضارع لكونه منفيا و « سعة » مفعول ثان ليؤت ، والأول قام مقام الفاعل . و « سعة » وزنها « علة » بحذف الفاء وأصلها « وسعة » وإنما حذفت الفاء في المصدر حملا له على المضارع ، وإنما حذفت في المضارع لوقوعها بين ياء - وهي حرف المضارعة - وكسرة مقدرة ، وذلك أنّ « وسع » مثل « وثق » ، فحقّ مضارعه أن يجيء على يفعل بكسر العين ، وإنما منع ذلك في « يسع » كون لامه حرف حلق ففتح عين مضارعه لذلك ، وإن كان أصلها الكسر ، فمن ثمّ قلنا : بين ياء وكسرة مقدرة ، والدليل على ذلك أنهم قالوا : وجل يوجل فلم يحذفوها لمّا كانت الفتحة أصلية غير عارضة ، بخلاف فتحة « يسع » و « يهب » وبابهما . فإن قيل : قد رأيناهم يحذفون هذه الواو وإن لم تقع بين ياء وكسرة ، وذلك إذا كان حرف المضارعة همزة نحو : « أعد » أو تاء نحو : « تعد » أو نونا نحو : « نعد » ، وكذلك في الأمر والمصدر نحو : « عد عدة حسنة » فالجواب أنّ ذلك بالحمل على المضارع مع الياء طردا للباب ، كما تقدّم لنا في حذف همزة أفعل إذا صار مضارعا لأجل همزة